ابن أبي الحديد
208
شرح نهج البلاغة
الأصل : بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء ، فشحت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس آخرين ، ونعم الحكم الله . وما أصنع بفدك وغير فدك ، والنفس مظانها في غد جدث تنقطع في ظلمته آثارها وتغيب أخبارها ، وحفرة لو زيد في فسحتها ، وأوسعت يدا حافرها ، لأضغطها الحجر والمدر ، وسد فرجها التراب المتراكم ، وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر ، وتثبت على جوانب المزلق . * * * الشرح : الجدث : القبر ، وأضغطها الحجر : جعلها ضاغطة والهمزة للتعدية ، ويروى : ( وضغطها ) . وقوله : ( مظانها في غد جدث ) ، المظان : جمع مظنة ، وهو موضع الشئ ومألفه الذي يكون فيه ، قال : فإن يك عامر قد قال جهلا * فان مظنة الجهل الشباب ( 1 ) يقول : لا مال لي ، ولا اقتنيت فيما مضى مالا ، وإنما كانت في أيدينا فدك فشحت عليها نفوس قوم ، أي بخلت وسخت عنها نفوس آخرين ، أي سامحت وأغضت . وليس يعنى هاهنا بالسخاء إلا هذا ، لا السخاء الحقيقي ، لأنه عليه السلام وأهله لم يسمحوا بفدك إلا غصبا وقسرا ، وقد قال هذه الألفاظ في موضع آخر فيما تقدم ، وهو يعنى الخلافة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله .
--> ( 1 ) للنابغة الذبياني ، ديوانه 14 .